الشوكاني

24

نيل الأوطار

الصحابة رضي الله عنهم جعلوه كالصاحي ويجاب بأن ذلك محل خلاف بين الصحابة ، كما بينا ذلك في أول الكلام وكما ذكره المصنف عن عثمان وابن عباس ، فلا يكون قول بعضهم حجة علينا ، كما لا يكون حجة على بعضهم بعضا ، واحتجوا خامسا بأن عدم وقوع الطلاق من السكران مخالف للمقاصد الشرعية ، لأنه إذا فعل حراما واحدا لزمه حكمه ، فإذا تضاعف جرمه بالسكر وفعل المحرم الآخر سقط عنه الحكم ، مثلا لو أنه ارتد بغير سكر لزمه حكم الردة ، فإذا جمع بين السكر والردة لم يلزمه حكم الردة لأجل السكر ، ويجاب بأنا لم نسقط عنه حكم المعصية الواقعة منه حال السكر لنفس فعله للمحرم الآخر وهو السكر ، فإن ذلك مما لا يقول به عاقل ، وإنما أسقطنا عنه حكم المعصية لعدم مناط التكليف وهو العقل ، وبيان ذلك أنه لو شرب الخمر ولم يزل عقله كان حكمه حكم الصاحي فلم يكن فعله لمعصية الشرب هو المسقط . ومن الأدلة الدالة على عدم الوقوع ما في صحيح البخاري وغيره أن حمزة سكر وقال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما دخل عليه هو وعلي : وهل أنتم إلا عبيد لأبي ؟ في قصة مشهورة ، فتركه صلى الله عليه وآله وسلم وخرج ولم يلزمه حكم تلك الكلمة ، مع أنه لو قالها غير سكران لكان كفرا كما قال ابن القيم . وأجيب بأن الخمر كانت إذ ذاك مباحة والخلاف إنما هو بعد تحريمها . وحكى الحافظ في الفتن عن ابن بطال أنه قال : الأصل في السكران العقل ، والسكر شئ طرأ على عقله فمهما وقع منه من كلام مفهوم فهو محمول على الأصل حتى يثبت فقدان عقله انتهى . ( والحاصل ) أن السكران الذي لا يعقل لا حكم لطلاقه لعدم المناط الذي تدور عليه الاحكام ، وقد عين الشارع عقوبته ، فليس لنا أن نجاوزها برأينا ونقول يقع طلاقه عقوبة له فيجمع له بين غرمين . ( لا يقال ) إن ألفاظ الطلاق ليست من الأحكام التكليفية بل من الأحكام الوضعية ، وأحكام الوضع لا يشترط فيها التكليف . لأنا نقول : الأحكام الوضعية تقيد بالشروط كما تقيد الأحكام التكليفية ، وأيضا السبب الوضعي هو طلاق العاقل لا مطلق الطلاق بالاتفاق ، وإلا لزم وقوع طلاق المجنون . قوله : وقال عثمان الخ ، علقه البخاري ووصله ابن أبي شيبة . قوله : وقال ابن عباس الخ وصله ابن أبي شيبة أيضا وسعيد بن منصور . وأثر على وصله البغوي في الجعديات وسعيد بن منصور ، وقد ساق البخاري في صحيحه آثارا عن جماعة من الصحابة والتابعين . وأثر عمر بن الخطاب في قصة الرجل الذي تدلى ليشتار عسلا إسناده منقطع ، لأن الراوي له عن عمر عبد الملك بن قدامة بن محمد بن